الشؤون السياسية الدوليةبقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار - الولاية الثانية لترامب بين صناعة الإرث ومقامرة الفوضى

حسن النجار كاتب صحفي ومفكر سياسي في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير جريدة الوطن اليوم الاخبارية

الوطن اليوم الاخبارية – من القاهرة – الشؤون السياسية الدولية – 3 مارس 2026 

بقلم حسن النجار

لطالما شكّلت الولاية الرئاسية الثانية لترامب في الولايات المتحدة مساحة تحرر سياسي للرؤساء الساعين إلى صناعة إرث يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة. فبانتهاء هاجس إعادة الترشح، تتراجع قبضة ممولي الحملات الانتخابية،

وتتقلص ضغوط جماعات المصالح، ويتحرر الرئيس نسبياً من سطوة الاستقطاب الحزبي. عندها فقط يستطيع أن يتحرك بأفق أوسع، وأن يخوض مغامرات سياسية قد لا يجرؤ عليها في ولايته الأولى.

تاريخ الرؤساء الأمريكيين يقدم نماذج واضحة لهذه القاعدة. فالرئيس الرابع والثلاثون، دوايت أيزنهاور، ورغم خلفيته العسكرية المحافظة، تجنب في ولايته الأولى صداماً مباشراً مع القوى المؤيدة للفصل العنصري في الجنوب الأمريكي.

لكنه في ولايته الثانية اتخذ قراراً تاريخياً بإرسال قوات الفرقة 101 المحمولة جواً إلى أركنساس لفرض تنفيذ قرار دمج الطلاب السود في المدارس، متحدياً رفض حاكم الولاية، ومكرساً سلطة القانون الاتحادي فوق الاعتبارات المحلية.

الأمر ذاته تكرر مع الرئيس السابع والثلاثين ريتشارد نيكسون، الذي عُرف بعدائه الشديد للشيوعية. ففي ولايته الثانية فاجأ العالم بزيارته إلى الصين ولقائه الزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ، في خطوة أعادت رسم خرائط التوازن الدولي وكسرت جمود الحرب الباردة.

أما الرئيس الأربعون رونالد ريغان، فقد دخل ولايته الأولى بخطاب صدامي وصف فيه الاتحاد السوفيتي بـ”إمبراطورية الشر”. لكنه في ولايته الثانية فتح باب الحوار مع الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، ما أسفر عن توقيع معاهدة القوى النووية متوسطة المدى، ومهد الطريق لانفراج تاريخي في العلاقات بين القوتين العظميين.

غير أن هذه القاعدة التاريخية تبدو اليوم محل اختبار مختلف مع الرئيس دونالد ترامب. فبدلاً من أن تتحول ولايته الثانية إلى مساحة نضج سياسي وصناعة إرث، تبدو وكأنها ساحة مقامرة مفتوحة على احتمالات الفوضى.

فالرجل لم يكتف بإثارة الجدل داخلياً، بل لوّح بالرغبة في تجاوز الأعراف الدستورية عبر الحديث عن ولاية ثالثة، في سابقة تهز أحد أكثر التقاليد السياسية رسوخاً في النظام الأمريكي.

على الصعيد الخارجي، تتسم تحركاته بنزعة فردية تضع الشخص فوق المؤسسة، والصفقة فوق القانون الدولي. ففي تعامله مع أزمات أمريكا اللاتينية، ولا سيما في فنزويلا، بدا وكأنه يعيد تعريف مفهوم الشرعية السياسية وفق معايير المصلحة اللحظية.

وفي الشرق الأوسط، يقترب أكثر من الرؤية الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في ملفات حساسة تمس الاستقرار الإقليمي، وسط مخاوف من الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مكلفة.

هذا النهج لا ينفصل عن رؤية أوسع يسعى من خلالها ترامب إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق منطق الصفقات الثنائية، حيث تُختزل العلاقات بين الدول في معادلات الربح والخسارة،

بعيداً عن الأطر المتعددة الأطراف التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. وهي رؤية تثير قلق حلفاء وخصوم على حد سواء، لأنها تستبدل قواعد القانون الدولي بمنطق القوة والضغط.

ومع ذلك، فإن التجربة السياسية للرجل تكشف نمطاً متكرراً: تصعيد حاد يعقبه تراجع اضطراري. فقد واجه فضيحة الممثلة الإباحية ستورمي دانيلز بتكتيكات قانونية انتهت إلى رضوخ جزئي للواقع القضائي.

كما شهدت إمبراطوريته الاقتصادية سلسلة من الانهيارات، أبرزها إفلاس شركاته المعروفة باسم Trump Entertainment Resorts في أعوام متفرقة، ما يعكس ميلاً إلى المغامرة المحفوفة بالمخاطر يعقبه انسحاب عند اشتداد العاصفة.

الفرق بين “تحرر الولاية الثانية” و”حماقات الولاية الثانية” يكمن في الهدف والوسيلة. فحين يكون التحرر مدفوعاً برغبة في تثبيت مبادئ العدالة أو صناعة اختراق دبلوماسي،

يتحول إلى لحظة تاريخية فارقة. أما حين يتحول إلى نزعة شخصية لإعادة تعريف المؤسسات وفق أهواء فردية، فإنه يهدد بتآكل الثقة في النظام ذاته.

في المحصلة، تبقى الولاية الثانية اختباراً أخلاقياً وسياسياً للرئيس قبل أن تكون فرصة سياسية. فهي إما أن تُخلّد اسمه في سجل التحولات الكبرى، كما حدث مع أيزنهاور ونيكسون وريغان،

أو أن تضعه في خانة المغامرين الذين خلطوا بين الجرأة والتهور. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح الإرث، ويتقرر موقع الرئيس في ذاكرة التاريخ.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى